سيما لايت | حول بطيخة محمد خان

في ذكرى ميلاد محمد خان (26 أكتوبر 1942)..فؤاد زويريق يكتب عن فيلم بطيخة

شاهدت اليوم لأول مرة أول فيلم أخرجه المخرج الكبير الراحل محمد خان وهو واحد من أحب المخرجين لدي، ونوعية أفلامه تعكس ذائقتي السينمائية بشكل كبير جدا، فقد شاهدت كل أفلامه لمرات عدة ولم أمل أبدا، كان ودي وأملي أن ألتقيه شخصيا ولو لخمسة دقائق لكن للأسف غادر دنيانا دون أن تتحقق رغبتي، لكنني التقيت بعد ذلك بصديقه المقرب جدا مدير التصوير الكبير سعيد الشمي وقربني كثيرا من بعض التفاصيل الشخصية والانسانية لمحمد خان.

كما قلت أتيحت لي اليوم فرصة مشاهدة فيلمه الأول وهو فيلم روائي قصير بالأبيض والأسود اسمه ”البطيخة” اخرجه سنة 1972، ويعتبر النموذج الأولي أو المسودة التي كشفت لنا عن أسلوب هذا المخرج فيما جاء بعد ذلك من أفلامه، وقد رافقه في صياغته فنيا المونتير أحمد متولي الذي أصبح فيما بعد أشهر مونتير في مصر، ومدير التصوير سعيد الشيمي الذي أصبح ايضا واحدا من أشهر مدراء التصوير في مصر، وكل واحد منهما تكلف بالجانب الذي يخص مجاله.

يعتبر الفيلم وثيقة تاريخية كونه نقل إلينا جزءا من القاهرة بشوارعها وأناسها ومواصلاتها وبائعيها… في وقت كانت فيه اغلب الافلام تصور داخل الاستوديوهات، كما يعتبر وثيقة فنية تؤرخ للبداية السينمائية الاولى لمحمد خان كمخرج.

الفيلم يتناول مأساة موظف غلبان تكالبت عليه طلبات زوجته وابنائه، والطلب الوحيد الذي استطاع تلبيته لهم هو شراء البطيخة وحملها معه الى البيت، فتضعنا الكاميرا في أول مشهد أمام الوضعية المزرية لهذا الموظف داخل مكتبه بتقطيعات للقطات معبرة نفهم من خلالها عدم الراحة والتوتر الذي يعانيه بسبب وضعيته الاجتماعية.

تلك التقطيعات والتوليفات ترافقها مؤثرات صوتية تعكس الجو العام داخل المكتب وتزيد من التوتر كطقطقات الآلة الكاتبة والصوت المزعج للمروحة وفي الخلفية اصوات الطلبات، ثم بعد ذلك نرافقه أثناء خروجه الى الشارع حيث يشتري البطيخة التي لا تفارق يده طيلة رحلته الى البيت تحت اصوات الباعة والناس والسيارات والموسيقى التصويرية الحزينة لينتهي بنا المطاف داخل بيته حيث يتغير ايقاع الموسيقى الى ايقاع سريع يعبر عن الفرحة بقدوم البطيخة التي تنتهي اخيرا فوق مائدة طعامهم .

الفيلم عفوي وبسيط في ميزانيته التي لم تتعد 300 جنيه، لكن شغف هذا الثلاثي الذي صنعه بالسينما جعله فيلما مهما أسس لمسارهم الفني، فرغم عفويته التي لا تعني ضعفه تنكشف لنا العديد من العناصر القوية التي شكلت متنه الإبداعي، كالتكثيف وعدم التمطيط بما يخدم الفيلم القصير، التركيز على التفاصيل، إشارات دلالية كاللافتات الاعلانية والمفارقات التي تعبر عنها، بلاغة الجمل السينمائية، التصوير الخارجي المتقن، الاستخدام الدقيق للمؤثرات الصوتية..

يبقى الفيلم قريب من الاسلوب واللغة السينمائية التي تميز بها محمد خان في باقي مسيرته وقد استمتعت شخصيا بمشاهدته وسعدت كما سعدت اسرة الموظف بالبطيخة عندما حصلتُ على الفيلم، فهو بالنسبة لي الحلقة المفقودة التي سأكمل بها الآن رؤيتي حول مسيرة وتاريخ محمد خان السينمائي.