يستعد ويليامز – البالغ من العمر 93 عامًا – لخوض مغامرةٍ جديدةٍ: فيلمه الثلاثين مع المخرج ستيفن سبيلبرج. وهو فيلم خيالٍ علمي غامض يدور حول كائناتٍ فضائيةٍ مجهولة، يُعرَف مؤقتًا بعنوان “الكشف / الصحن” .Disclosure / The Dish هذا الفيلم، المنتظر عرضه في صيف 2026 القادم، ليس مجرد إضافةٍ إلى سجلّ التعاون الاستثنائي بين الثنائي “سبيلبرج – ويليامز”؛ بل شهادةٌ على قدرة ويليامز على إعادة إحياء الجمال في عصرٍ رقميٍّ متسارع، إذ يعود من تقاعده المؤقت ليرسم لوحةً صوتيةً تجمع بين الرهبة الكونية والحميمية الإنسانية.
وحوش سبيلبرج تُعيد مايسترو هوليوود من التقاعد
تعاونَ جون ويليامز مع ستيفن سبيلبرج هو الدويتو الذي يُعزَف على أوتار الشريط السينمائي، بدءًا من فيلمهما المُبكر ذا شوجرلاند إكسبريس (The Sugarland Express, 1974) وصولًا إلى الفيلم الثلاثين اليوم. هذا الثنائي ليس مجرد صداقة؛ بل كيمياء خالصة، إذ يُترجم سبيلبرج الخيالَ إلى صور، ويحوّله ويليامز إلى صوتٍ نابض بالحياة. في إي. تي (E.T. the Extra-Terrestrial, 1982) ، يتحوّل “الثيم الطائر” إلى جناحين موسيقيين يحملان الفتى على الدراجة والكائن الفضائي نحو السماء، بينما في فيلم قائمة شندلر (Schindler’s List, 1993) يصبح صولو الكمان أنين ألم إنساني يتسلل إلى وجدان المتفرج.
أثمر هذا التعاون عن تحفٍ عزّزت مكانة السينما الأمريكية عالميًا، كما في الفك المفترس (Jaws, 1975)، حيث أصبحت الموسيقى شريكًا أساسيًا في بناء التوتر. العلاقة بين الرجلين تخطت أعراف كتابة الموسيقى للمشاهد المُصورة، إذ يسمح سبيلبرج لويليامز بما يُسمّى “التعديل العكسي” – أي تعديل المشاهد لتناسب الإيقاع الموسيقي – كما حدث في إي. تي مثلًا، حيث يصبح الصوت جزءًا عضويًا من السرد، يقود أحيانًا ولا يكتفي بالتبعية.
هذا التعاون يتسبب أحيانًا في تكرار الأساليب، إذ تحوّلت الموسيقى السيمفونية المهيبة إلى ما يُشبه العلامة التجارية لويليامز، مما قلّل من عنصر الابتكار في بعض الأعمال اللاحقة مثل ذا بوست (The Post, 2017) إذ طغت الثيمات الدرامية الروتينية، وفقدت موسيقى ويليامز شيئًا من سحرها.
لم يغيّر جون ويليامز السينما الأمريكية فحسب؛ بل أعاد صياغتها كسيمفونيةٍ متكاملة، حيث أصبحت الموسيقى التصويرية بطلًا مُشاركًا في الأحداث. في سبعينيات القرن العشرين، حين سادت الأصواتُ الإلكترونية المتجردة كما في فيلم 2001: أوديسة الفضاء (2001: A Space Odyssey, 1968)، أعاد ويليامز السيمفونية الكلاسيكية إلى الواجهة عبر سلسلة أفلام حرب النجوم Star Wars، محولًا هوليوود إلى مسرحٍ أوبرالي، وملهمًا جيلًا من المؤلفين الموسيقيين مثل جيمس هورنر، وجون باري، وهانز زيمر. امتدّ تأثيره إلى عمق الثقافة الشعبية، حيث أصبحت ثيماته رموزًا وطنية، كـ”ثيمة القوة” في حرب النجوم، التي تُعزف في الاحتفالات الرياضية والمناسبات الرسمية وكأنها نشيدٌ وطني أمريكي غير مُعلن.
هذا التأثير منح السينما الأمريكية بُعدًا عاطفيًا جديدًا، كما في سوبرمان (Superman, 1978)، حيث أصبح الثيم الموسيقي رمزًا للبطولة الأمريكية المعاصرة، مساهِمًا في رفع مبيعات التذاكر وتعزيز الهوية الثقافية. فقد جعل ويليامز من الموسيقى سلعةً فنيةً راقية، تُقدَّم في الحفلات الكبرى، ليُعيد تعريف العلاقة بين السينما والموسيقى بوصفهما فنًّا واحدًا.
